أبي نعيم الأصبهاني

40

حلية الأولياء وطبقات الأصفياء

* أخبر جعفر بن نصير - في كتابه - وحدثني عنه محمد بن إبراهيم ثنا إبراهيم بن نصر ثنا إبراهيم بن بشار قال : ما رأيت في جميع من لقيته من العباد والعلماء والصالحين والزهاد أحدا يبغض الدنيا ولا ينظر إليها مثل إبراهيم ابن أدهم ، ربما مررنا على قوم قد هدموا حائطا أو دارا أو حانوتا فيحول وجهه ولا يملأ عينيه من النظر اليه ، فعاتبته على ذلك فقال يا بن بشار اقرأ ما قال اللّه تعالى ( لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ) * ولم يقل أيكم أحسن عمارة للدنيا وأكثر حبا وذخرا وجمعا لها ، ثم بكى وقال : صدق اللّه عز اسمه فيما يقول ( وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ) ولم يقل وما خلقت الجن والانس الا ليعمروا الدنيا ويجمعوا الأموال ويبنون الدور ويشيدون القصور ويتلذذون ويتفكهون ، ويجعل يومه أجمع يردد ذلك ويقول ( فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ ) ( وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكاةَ وَذلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ ) . وسمعته يقول : قد رضينا من أعمالنا بالمعاني ، ومن التوبة بالتوانى ، ومن العيش الباقي بالعيش الفاني . وكان يقول : إياكم والكبر ، إياكم والاعجاب بالاعمال ، انظروا إلى من دونكم ولا تنظروا إلى من فوقكم ، من ذلل نفسه رفعه مولاه ، ومن خضع له أعزه ، ومن اتقاه وقاه ، ومن أطاعه أنجاه ، ومن أقبل اليه أرضاه ، ومن توكل عليه كفاه ، ومن سأله أعطاه ، ومن أقرضه قضاه ، ومن شكره جازاه فينبغي للعبد أن يزن نفسه قبل أن يوزن ، ويحاسب نفسه قبل أن يحاسب ، ويتزين ويتهيأ للعرض على اللّه العلى الأكبر قال : وسمعت إبراهيم يقول : اشغلوا قلوبكم بالخوف من اللّه ، وأبدانكم بالدأب في طاعة اللّه ، ووجوهكم بالحياء من اللّه ، وألسنتكم بذكر اللّه ، وغضوا أبصاركم عن محارم اللّه ، فان اللّه تعالى أوحى إلى نبيه محمد صلى اللّه عليه وسلم يا محمد كل ساعة تذكرنى فيها فهي لك مذخورة ، والساعة التي لا تذكرنى فيها فليست لك ، هي عليك لا لك . قال : وسمعت إبراهيم يقول قال وهب بن منبه : قرأت في بعض الكتب أن موسى